ضحى السدخان
بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة جديدة عنوانها الديمقراطية، واعتقد الكثيرون أن الحرية تعني غياب القيود بالكامل، وأن الديمقراطية تعني أن يفعل الجميع ما يشاؤون دون ضوابط أو مسؤولية. لكن مع مرور السنوات بدأ السؤال يطرح نفسه بقوة: هل كانت المشكلة في الديمقراطية نفسها، أم في طريقة فهمنا لها؟
الديمقراطية ليست فوضى، والحرية لا تعني الانفلات. فالدول التي سبقتنا في بناء أنظمتها الديمقراطية لم تصل إلى الاستقرار إلا عندما جعلت الحرية مرتبطة بالقانون، وجعلت حقوق الأفراد تقف عند حدود حقوق الآخرين وهيبة الدولة. أما حين تتحول الحرية إلى إساءة، والتعبير إلى تحريض، والاختلاف إلى صراع، فإن الدولة تفقد قدرتها على التنظيم وتصبح المؤسسات عاجزة أمام الفوضى الاجتماعية والسياسية.
لقد عاش العراقيون عقوداً طويلة في ظل نظام صارم منع كثيراً من وسائل الانفتاح، فكان الإنترنت محدوداً، والإعلام مراقباً، والكلمة محسوبة. واليوم ينقسم الناس بين من يرى أن ذلك كان حرصاً على المجتمع ومن يرى أنه كان خوفاً من وعي الناس وتواصلهم مع العالم. والحقيقة أن أي نظام مغلق كان يخشى دائماً من تدفق المعلومات، لأن المعرفة تمنح الشعوب قدرة على السؤال والمحاسبة والتغيير.
لكن بالمقابل، فإن الانفتاح غير المنظم الذي شهده المجتمع بعد التغيير خلق مشكلات جديدة. فقد دخلت إلى المجتمع أفكار متناقضة، وخطابات متطرفة، وثقافات دخيلة، حتى أصبح البعض يخلط بين الحرية والإساءة للقيم، وبين الديمقراطية وإضعاف سلطة الدولة. وهنا ظهرت أزمة الوعي، لا أزمة النظام فقط.
الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى بالصراخ ولا بالفوضى، بل ببناء الإنسان والمؤسسات. فالمواطن الذي لا يؤمن بالقانون لن يصنع دولة مستقرة، والسياسي الذي يستخدم الحرية لمصلحته فقط لن يبني وطناً. لذلك فإن أخطر ما واجهه العراق ليس الديمقراطية بحد ذاتها، بل غياب الثقافة الديمقراطية.
لقد تخلص العراقيون من الدكتاتورية بتضحيات كبيرة، لكن التخلص من الاستبداد لا يكفي وحده لبناء دولة ناجحة. فهناك فرق بين إسقاط نظام وبين بناء وطن. بناء الوطن يحتاج إلى عدالة، وتعليم، وهيبة قانون، وإعلام مسؤول، ومواطن يعرف أن الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقاً.
اليوم نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لمفهوم الدولة. فلا يمكن أن تقوم دولة قوية دون احترام النظام، ولا يمكن أن تستمر الديمقراطية دون وعي شعبي يحميها من الانحراف. إن الحرية التي لا يحكمها القانون تتحول إلى عبء، والديمقراطية التي تُدار بالمصالح تتحول إلى ساحة صراع بدلاً من أن تكون وسيلة لبناء الإنسان.
العراق لا يحتاج إلى العودة للخوف، ولا إلى استمرار الفوضى، بل يحتاج إلى توازن حقيقي بين الحرية وهيبة الدولة… بين حق المواطن وواجباته… وبين الديمقراطية والاستقرار.





