تقارير وتحقيقات

أمرلي… مدينةٌ نزفت للوطن وما زالت تنتظر الوفاء

د. محمد عصمت البياتي

في السابع من تموز عام 2007، اهتزت مدينة أمرلي على وقع واحدة من أبشع الجرائم الإرهابية التي شهدها العراق الحديث، عندما انفجرت شاحنة مفخخة وسط المدينة، لتخلف أكثر من 135 شهيداً وما يزيد على 500 جريح، في مشهدٍ دموي جسّد حجم الحقد الذي حملته قوى الإرهاب ضد المدن الآمنة وأبنائها الأبرياء.

 

لم تكن تلك الجريمة مجرد تفجير إرهابي استهدف تجمعاً مدنياً، بل كانت محاولة لكسر إرادة مدينةٍ عُرفت بمواقفها الوطنية وصمودها الأسطوري في مواجهة الإرهاب والتطرف. لقد كانت أمرلي في تلك المرحلة عنواناً للشجاعة والتحدي، وقلعةً صامدةً دافعت عن العراق عندما كانت البلاد تواجه أخطر تهديد وجودي في تاريخها المعاصر.

 

واليوم، وبعد مرور سنوات على تلك الفاجعة، ما زالت دماء شهداء أمرلي تنبض في ذاكرة الوطن، وما زالت صور الضحايا والجرحى شاهدةً على حجم الألم الذي عاشته المدينة وأهلها. غير أن الألم الأكبر لا يتمثل في استذكار المأساة فحسب، بل في شعور أبناء أمرلي بأن تضحياتهم العظيمة لم تُترجم حتى الآن إلى استحقاقات عادلة تليق بما قدموه من دماء وتضحيات.

 

لقد قدمت أمرلي مئات التضحيات دفاعاً عن العراق ووحدته وأمنه، وسقط أبناؤها شهداء وهم يقفون في الصفوف الأولى لمواجهة الإرهاب، إلا أن المدينة ما زالت تعاني من نقصٍ في الخدمات الأساسية، وتأخرٍ في تنفيذ العديد من المشاريع التنموية والاستراتيجية التي من شأنها أن تعيد لها بعضاً مما تستحقه. كما أن حجم تمثيل أبنائها في مواقع المسؤولية وصناعة القرار لا يزال دون مستوى التضحيات التي قدموها، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول مفهوم العدالة والإنصاف في توزيع الفرص والمسؤوليات الوطنية.

 

إن الوفاء الحقيقي لأمرلي يتحقق من خلال ترجمة التضحيات إلى سياسات حكومية عادلة، وبرامج تنموية حقيقية، وفرص متكافئة لأبنائها في مؤسسات الدولة ومواقع التأثير وصناعة القرار. فالأمم التي لا تكرم مدنها المناضلة ولا تنصف أبناء شهدائها، تخاطر بفقدان واحدة من أهم القيم التي تقوم عليها الدولة العادلة، وهي قيمة الوفاء.

 

إن ذكرى السابع من تموز ليست مناسبة للحزن فقط، بل هي دعوة صريحة إلى الحكومة ومؤسسات الدولة والقوى السياسية والنخب الوطنية لمراجعة موقفها تجاه أمرلي، والعمل على إنصاف هذه المدينة التي دفعت من دماء أبنائها ما لم تدفعه مدن كثيرة. فليس من العدالة أن تبقى مدينة قدمت كل هذا العطاء تنتظر أبسط حقوقها المشروعة في التنمية والخدمات والتمثيل العادل.

 

وفي هذه الذكرى الخالدة، ننحني إجلالاً لأرواح الشهداء الذين ارتقوا في ذلك اليوم الأليم، ونستذكر الجرحى الذين حملوا آثار المأساة في أجسادهم وذاكرتهم، ونجدد العهد بأن تبقى تضحياتهم حاضرة في وجدان الأمة العراقية.

 

رحم الله شهداء أمرلي الأبرار، والشفاء للجرحى، والعزاء لعوائل الضحايا، وسيبقى السابع من تموز شاهداً على جريمةٍ أرادت قتل الحياة، لكنه سيبقى أيضاً شاهداً على مدينةٍ انتصرت بإرادتها، وعلى شعبٍ أثبت أن الدم الزكي لا يضيع، وأن الحقوق مهما تأخرت لا بد أن تجد طريقها إلى العدالة والإنصاف.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى