مقالات

الكهرباء بين المحافظات.. هل تختلف الأرواح أم تختلف سياسات الإدارة؟

د. ضحى السدخان

في كل صيف عراقي يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: لماذا تتمتع بعض المحافظات بساعات تجهيز كهربائي أفضل من غيرها؟ وهل تختلف قيمة الإنسان العراقي من محافظة إلى أخرى؟ وهل الأرواح التي تعيش في البصرة أو ميسان أو ذي قار أو بغداد أقل استحقاقاً للخدمات من غيرها؟

 

إن درجات الحرارة التي تضرب العراق اليوم لا تميز بين محافظة وأخرى. فالبصرة وميسان وذي قار وواسط والمثنى والديوانية تعيش جميعها تحت وطأة صيف قاسٍ قد تتجاوز فيه درجات الحرارة الخمسين مئوية. ومع ذلك، نجد تفاوتاً واضحاً في مستوى الخدمات الكهربائية والخدمية عموماً، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة لدى المواطنين حول العدالة في توزيع الموارد.

 

الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين، وليس على أساس النفوذ السياسي أو حجم التأثير الانتخابي أو الاعتبارات الحزبية. فالكهرباء ليست امتيازاً تمنحه الدولة لمحافظة وتحجبه عن أخرى، بل هي حق أساسي من حقوق المواطن، تماماً كالماء والصحة والتعليم.

 

البعض يلقي اللوم على الحكومة الاتحادية، وآخرون يوجهون أصابع الاتهام إلى الحكومات المحلية، فيما يرى فريق ثالث أن سوء التخطيط المتراكم عبر عقود هو السبب الحقيقي. والحقيقة أن الأزمة نتاج عوامل متعددة؛ منها ضعف البنية التحتية، وتأخر مشاريع الإنتاج والنقل والتوزيع، وغياب الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، فضلاً عن الفساد الذي استنزف مليارات الدولارات التي كان يفترض أن تنهي أزمة الكهرباء منذ سنوات طويلة.

ولا تقتصر المشكلة على الكهرباء فقط، بل تمتد إلى بقية الخدمات. فهناك محافظات ما زالت تعاني من تدهور الطرق، وشح المياه، وضعف الخدمات الصحية، وارتفاع نسب البطالة، رغم أنها تمتلك ثروات طبيعية كبيرة وتساهم بشكل مباشر في رفد الموازنة العامة للدولة.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل الخلل في الدولة أم في المجتمع المحلي؟ الواقع أن المسؤولية مشتركة. فالدولة مسؤولة عن التخطيط والتمويل والرقابة، والحكومات المحلية مسؤولة عن حسن التنفيذ وإدارة الموارد، كما أن المجتمع مسؤول عن اختيار ممثليه ومحاسبة المقصرين منهم.

إن العدالة في توزيع الخدمات لا تعني حرمان محافظة لصالح أخرى، بل تعني اعتماد معايير واضحة تستند إلى عدد السكان، وحجم الحاجة، وطبيعة الظروف المناخية، ومستوى الحرمان المتراكم. فالمواطن في ميسان له الحق نفسه الذي يتمتع به المواطن في البصرة أو بغداد أو أربيل، لأن الجميع أبناء وطن واحد.

إن العراقيين لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون بحقوقهم الدستورية. يريدون كهرباء مستقرة، وماء صالحاً للشرب، وطرقاً آمنة، وفرص عمل تحفظ كرامتهم. وهذه المطالب ليست شعارات سياسية، بل أساس بناء الدولة واستقرارها.

فإذا كانت الثروات ملكاً لجميع العراقيين، فمن الطبيعي أن تكون الخدمات أيضاً حقاً لجميع العراقيين دون تمييز. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تنظر إليه بعين المساواة، فإن الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة ستتعزز، وسيكون الجميع شركاء حقيقيين في بناء العراق.

ويبقى السؤال الذي يتردد في الشارع العراقي كل صيف: هل سنصل يوماً إلى مرحلة تصبح فيها الخدمات حقاً متساوياً للجميع، أم سيبقى المواطن يقارن بين محافظة وأخرى وكأن أبناء الوطن الواحد يعيشون في دول مختلفة؟

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى