عباس السلامي
كثيراً ما نسمع أن المجتمعات التي تمر بظروف وضغوط طويلة تخرج بسلوكيات تؤثر على طبيعة تطورها وتقدمها وازدهارها مقارنة بالدول المتقدمة. ولعل واحداً من هذه الدول هو العراق، الذي عاش ما عاشه من حروب وأزمات منذ عام 1914 وحتى يومنا هذا. فقد كانت الأوضاع السياسية والأمنية غير مستقرة، وتغير الحاصل في الحكم والانتقال من النظام الملكي إلى الجمهوري، والحروب مع إيران والكويت وأمريكا، وصعود تنظيم داعش، كلها أسباب واقعية أثرت على المجتمع العراقي خلال العقود الماضية.
الحلقة الأولى: الازدواجية في المواقف
الحديث مع صديق في الواقع يختلف عن الحديث نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي. قد يبقى الموضوع نفسه، لكن التغير عبر المواقع قد يكون نتيجة لمصلحة شخصية، أو لإرضاء جمهور، أو تحت ضغط اجتماعي. وهذا يندرج ضمن مفهوم الازدواجية في المواقف، حيث يظهر الفرد بطريقة معينة أمام الآخرين ويخفي الحقيقة خلف الشاشة.
الحلقة الثانية: النفاق الاجتماعي
في بعض الأحيان، يظهر بعض الأفراد صورًا عن أنفسهم ويقدمونها للمجتمع، وهم في الواقع لا يؤمنون بها. هذا يحدث للحفاظ على صورة اجتماعية معينة، أي الرياء الاجتماعي، سواء في الممارسات الدينية أو مدح مسؤول أمامه، بينما يتحدثون عنه بالسيء في الخفاء.
الحلقة الثالثة: الانتهازية
الانتهازية تعني استغلال الفرص لتحقيق مصلحة شخصية مهما كانت، على حساب المبادئ والقيم، وإبعاد الآخرين إذا لزم الأمر. ومن أمثلة ذلك الأشخاص الذين ينتقلون من حزب إلى آخر ويغيرون آرائهم ومواقفهم حسب المصلحة الآنية. هذا لا يعني أن الجميع يتصرف بهذه الطريقة، بل يعتمد على الظروف المحيطة بالفرد والأسرة أو المجموعة ضمن رقعة جغرافية معينة.
العراق بين الضغوط السياسية والاقتصادية.
الحروب في البلدان النامية هي أحد أسباب تراجع التقدم المجتمعي، بسبب العقوبات والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية بين الأحزاب. وهذا يجعل مجتمعات تلك الدول تمر بمراحل صعبة غير قادرة على النهوض. ومن هذه الدول العراق، الذي يعيش منذ عام 2003 بمطبات سياسية وحروب وتراجع كبير على الصعيد السياسي بعد سنوات من الحصار والعقوبات، التي عاشها الشعب العراقي في حقب ماضية، وجعلت المجتمع يعيش فترات عصيبة.
انعكاس الضغوط على السلوك الفردي.
أصبحت الازدواجية، النفاق الاجتماعي، والانتهازية جزءًا لا يتجزأ من حياة بعض الأفراد العراقيين، يستخدمونها حسب ما يريدون وفي الوقت الذي يريدون، لتكمل مصلحتهم الشخصية بغض النظر عن القيم والمبادئ والأسس التربوية.
وقد أشار عالم الاجتماع العراقي علي الوردي إلى فكرة التناقض بين القيم المعلنة والسلوك الفعلي، وربطها بتاريخ طويل من الصراعات بين البداوة والحضارة، السلطة والدين، والمثاليات والواقع. ولم يقصد نقد المجتمع بأسره، بل تفسير الظاهرة: أي عندما يعيش مجتمع مثل المجتمع العراقي ضغوطًا سياسية واقتصادية لفترات طويلة، تتكون عند بعض أفراده آليات تكيف مثل:
إرضاء صديقي أمامه.
إرضاء الجمهور حسب المصلحة
وهذا لا يعني أن المجتمع العراقي بأكمله يعيش هذا الأمر، بل أن البيئة تنتج سلوكيات دفاعية عند بعض الأفراد.
ختاماً اضع تساؤلاً :
هل هذه السلوكيات مثل الازدواجية، النفاق الاجتماعي، والانتهازية هي السبب المباشر لتراجع المجتمع العراقي، أم أنها مجرد نتيجة طبيعية لضغوط عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي التي يعيشها البلد؟





