دريد توفيق
يثير موضوع اشتراط بعض النقابات المهنية اختبارات أو إجراءات تقييم إضافية لخريجي الجامعات العراقية، ولاسيما خريجي كليات الإعلام، إشكالية فكرية وقانونية ومؤسساتية تتعلق بطبيعة العلاقة بين مؤسسات التعليم العالي والهيئات المهنية في الدولة. فحين يتخرج الطالب من جامعة حكومية عراقية بعد سنوات من الدراسة الأكاديمية المنظمة، ثم يُطلب منه لاحقاً الخضوع لاختبار من قبل نقابة مهنية من أجل الاعتراف بأهليته للعمل، فإن ذلك يفتح باب التساؤل حول حدود الاختصاص بين الجامعة والنقابة، وحول القيمة الحقيقية للشهادة الجامعية في النظام المؤسسي للدولة.
إن الجامعات الحكومية العراقية تمثل مؤسسات علمية رسمية تخضع لمعايير وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتعمل وفق مناهج أكاديمية ولجان علمية وتقييمات مستمرة تهدف إلى إعداد خريجين يمتلكون الكفاءة العلمية والمهنية اللازمة للعمل في تخصصاتهم. وعليه، فإن منح شهادة البكالوريوس في الإعلام، ولاسيما في تخصص الصحافة، يفترض قانونياً وأكاديمياً أن يكون دليلاً على اجتياز الطالب لمتطلبات التأهيل المهني والعلمي. ومن هنا يظهر التساؤل المركزي: إذا كانت الدولة، ممثلة بوزارة التعليم العالي، قد أقرت بكفاءة الخريج ومنحته شهادة رسمية، فما المبرر لإعادة اختباره من قبل جهة نقابية؟ وهل يمثل ذلك تشكيكاً ضمنياً بقدرة المؤسسة الأكاديمية على أداء وظيفتها؟
إن هذا التساؤل لا ينطلق من موقف معادٍ للنقابات المهنية، بل من رغبة في فهم حدود الدور الذي ينبغي أن تؤديه هذه المؤسسات داخل الدولة الحديثة. فالنقابات في التجارب الديمقراطية تؤدي عادةً وظائف تنظيم المهنة، والدفاع عن حقوق العاملين، وتحسين بيئة العمل، وترسيخ أخلاقيات المهنة، إلا أن تحولها إلى جهة تقييم بديلة عن الجامعة يثير إشكالات تتعلق بازدواجية السلطة المهنية والأكاديمية. كما أن منح النقابة صلاحية اختبار خريج جامعة حكومية يطرح سؤالاً آخر يتعلق بالمعايير التي تستند إليها هذه الاختبارات، وطبيعة الجهة التي تضعها، ومدى امتلاك القائمين عليها تأهيلاً علمياً أو أكاديمياً يبرر منحهم سلطة تقييم خريجين أمضوا سنوات ضمن مؤسسات تعليمية معترف بها رسمياً.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الدول تعتمد اختبارات مهنية في تخصصات حساسة كالقضاء أو الطب أو المحاماة، إلا أن تلك الاختبارات تكون جزءاً من نظام قانوني ومهني واضح، وتستند إلى معايير وطنية دقيقة ومعلنة، كما ترتبط غالباً بطبيعة المهنة ذاتها وما تفرضه من مسؤوليات قانونية أو إنسانية مباشرة. غير أن تعميم هذا النموذج على مهن أخرى، دون وجود إطار تشريعي واضح أو فلسفة مهنية محددة، قد يؤدي إلى خلق حالة من التداخل بين الدور الأكاديمي والدور النقابي، بما يضعف من قيمة الشهادة الجامعية ويؤثر في ثقة المجتمع بالمؤسسات التعليمية.
وتزداد الإشكالية تعقيداً عند النظر إلى واقع العمل الصحفي نفسه، إذ إن العديد من العاملين في الوسط الإعلامي ليسوا بالضرورة من خريجي كليات الإعلام أو الصحافة، بل دخلوا المجال من خلال الخبرة أو الممارسة أو الانتماءات المهنية المختلفة. وهذا الواقع يطرح تساؤلات إضافية حول العدالة المهنية، خصوصاً عندما يُطلب من خريج متخصص أكاديمياً أن يثبت كفاءته أمام منظومة مهنية قد تضم أشخاصاً لا يمتلكون ذات الخلفية العلمية التي يمتلكها.
كما أن مفهوم “المنح الصحفية” أو منح صفة صحفي يظل من الملفات التي تحتاج إلى قدر عالٍ من الشفافية والتوضيح المؤسسي، لأن غياب المعايير الواضحة في هذا المجال قد يؤدي إلى إضعاف المهنية وتحويل الانتماء النقابي إلى مسألة إدارية أكثر من كونه استحقاقاً قائماً على التأهيل العلمي أو المهني الحقيقي. ومن هنا فإن الحاجة تبرز إلى مراجعة فلسفة العلاقة بين التعليم الأكاديمي والتنظيم النقابي، بما يضمن احترام الاختصاصات المؤسسية وعدم تضاربها.
إن جوهر القضية لا يتعلق بمجرد إجراء إداري أو اختبار مهني، بل يرتبط بمفهوم هيبة الدولة ومكانة مؤسساتها التعليمية. فالدولة التي تمنح شهادة جامعية رسمية يفترض أن تكون واثقة من كفاءة مخرجاتها التعليمية، وإلا فإن ذلك يضعف الثقة العامة بمنظومة التعليم العالي بأكملها. كما أن استمرار هذا التداخل بين الاعتراف الأكاديمي والاعتراف النقابي قد يخلق لدى الشباب شعوراً بأن سنوات الدراسة الجامعية ليست كافية بحد ذاتها، وأن الشرعية المهنية الحقيقية تأتي من خارج المؤسسة التعليمية الرسمية.
ومن هنا، فإن هذه الإشكالية تستحق نقاشاً قانونياً وأكاديمياً ومؤسساتياً جاداً تشارك فيه وزارة التعليم العالي، واللجان البرلمانية المختصة، والنقابات المهنية، بهدف الوصول إلى صيغة توازن بين تنظيم المهنة واحترام قيمة الشهادة الجامعية، بما يحفظ هيبة الجامعة العراقية ويضمن في الوقت ذاته تطوير الأداء المهني وفق معايير واضحة وعادلة.





