مقالات

شباب العراق بين البطالة وغياب القطاع الخاص.. من يسرق مستقبل الأجيال؟”

 

عضو مجلس النواب العراقي الدكتورة ضحى السدخان

في كل صباح، يستيقظ آلاف الشباب في العراق وهم يحملون شهاداتهم وأحلامهم وقلقهم معاً، ينظرون إلى أبواب الوظائف المغلقة، وإلى مستقبل ضبابي لا يمنحهم فرصة حقيقية للحياة الكريمة.

وبينما تمتلك دول كثيرة ثروتها في عقول شبابها، ما زال العراق ـ بكل إمكاناته النفطية والبشرية ـ عاجزاً عن استثمار هذه الطاقات، حتى تحولت البطالة إلى جرح اجتماعي ونفسي يهدد استقرار المجتمع ومستقبل الدولة.

إن المشكلة الحقيقية ليست فقط في قلة الوظائف الحكومية، بل في غياب رؤية اقتصادية متكاملة تؤسس لقطاع خاص قوي يستطيع استيعاب ملايين الشباب.

فالدولة العراقية منذ سنوات طويلة اعتمدت على التوظيف الحكومي بوصفه الحل الوحيد، حتى أصبحت الوزارات مكتظة، والإنتاج ضعيفاً، والموازنات مرهونة بأسعار النفط.

ومع كل أزمة مالية، يظهر حجم الخلل الكبير الذي تعيشه البلاد.

الشباب العراقي اليوم لا يطلب المستحيل، بل يبحث عن فرصة تحفظ كرامته. كثير منهم يحمل شهادات عليا، وآخرون يمتلكون مهارات وخبرات، لكنهم يصطدمون بواقع اقتصادي هش، لا مصانع حقيقية فيه، ولا شركات إنتاج وطنية، ولا مشاريع استراتيجية تستوعب الأيدي العاملة.

والأسوأ من ذلك أن بعض المؤسسات تنظر إلى الشباب وكأنهم عبء، لا طاقة قادرة على البناء والتغيير.

أما القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يكون شريكاً أساسياً في التنمية، فما زال ضعيفاً لأسباب عديدة، أبرزها غياب الدعم الحكومي الحقيقي، والفساد الإداري، والروتين، وضعف القوانين التي تحمي المستثمر والعامل في آنٍ واحد.

يضاف إلى ذلك إغراق الأسواق بالبضائع المستوردة، ما أدى إلى انهيار المنتج الوطني وإغلاق الكثير من المصانع والمعامل التي كانت تشكل مصدر رزق لآلاف العائلات.

كما أن البيئة الاستثمارية في العراق ما زالت تعاني من مشكلات أمنية وإدارية وسياسية تجعل المستثمر متردداً في إنشاء مشاريع طويلة الأمد. وعندما يغيب الاستثمار، تغيب فرص العمل، وعندما تغيب فرص العمل، يتحول الشباب إلى ضحايا للإحباط والهجرة وربما الانحراف والتطرف.

ومن المؤلم أن نرى شباباً في عمر العطاء يقضون سنواتهم في المقاهي أو على الأرصفة أو خلف شاشات الهواتف بانتظار إعلان تعيين قد لا يأتي أبداً.

هذه الطاقات لو وُجهت بشكل صحيح لكان العراق اليوم من أقوى دول المنطقة اقتصادياً وعلمياً.

إن بناء قطاع خاص حقيقي لا يكون بالشعارات، بل عبر خطوات جادة تبدأ بدعم الصناعة الوطنية، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومنح القروض للشباب، وتوفير الحماية القانونية للعامل، وربط التعليم بحاجات سوق العمل، فضلاً عن محاربة الفساد الذي التهم فرص الأجيال قبل الأموال.

العراق لا ينقصه المال، ولا العقول، ولا الموارد، لكنه يحتاج إلى إدارة تؤمن أن الشباب ليسوا أرقاماً في سجلات البطالة، بل هم عماد الدولة ومستقبلها الحقيقي.

فالأمم لا تبنى بالنفط وحده، بل تبنى بسواعد شبابها عندما يجدون من يمنحهم فرصة وعدالة وكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى