عباس السلامي
دراما أكبر من موسم واحد
لا يمكن لعمل درامي بهذا الجمال والتميز، من حيث التأليف والإخراج والتمثيل والسيناريو،أن يُختزل في خمس عشرة حلقة فقط.. فمسلسل “اسمي حسن” قدم تجربة درامية عميقة ومؤثرة أعادت المشاهد إلى واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العراق الحديث، وجعلته يعيش تفاصيلها بما فيها من ألم وقلق وتحولات اجتماعية. لذلك يبدو واضحاً أن هذا العمل يمتلك مقومات الاستمرار لمواسم متعددة، وربما ليكون أحد أطول المشاريع الدرامية في تاريخ الدراما العراقية.
حين تتحول الدراما إلى ذاكرة وطن
إن ما يقدمه المسلسل لا يقتصر على قصة درامية عابرة، بل يفتح باباً واسعاً أمام توثيق مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع العراقي.
فكل بيت عراقي تقريباً يحمل حكاية مرتبطة بتلك السنوات، حكاية عن الخوف أو الفقد أو الاتهامات أو الضغوط التي كانت جزءاً من الحياة اليومية آنذاك.
1982… زمن كان فيه الاسم تهمة
تدور أحداث المسلسل في عام 1982، وهي فترة مليئة بالتوترات السياسية والاجتماعية. ويركز العمل على الإنسان العراقي في تلك المرحلة، وكيف انعكست الظروف العامة على سلوكه ومشاعره وعلاقاته الاجتماعية.
ويأتي اختيار عنوان “اسمي حسن” بدلالة رمزية عميقة، إذ يشير إلى زمن كان فيه الاسم أو الانتماء كافياً أحياناً لتحويل الإنسان إلى موضع شك أو اتهام، وربما لتغيير مصيره بالكامل.
دراما تستند إلى وثائق حقيقية
من الجوانب المهمة في هذا العمل اعتماده على وثائق رسمية حقيقية تـم عرضها في نهاية الحلقات، وهو ما يمنحه قيمة توثيقية تتجاوز حدود الدراما التقليدية. فالمسلسل لا يُقدم كعمل سياسي بحت، بل كدراما اجتماعية إنسانية تمزج بين العلاقات العائلية والبعد العاطفي، مع حضور واضح للواقع السياسي الذي كان يفرض نفسه على تفاصيل حياة الناس اليومية.
تفاصيل بصرية تعيدنا إلى الثمانينيات
على المستوى الفني، حرص المخرج سامر حكمت على استعادة أجواء الثمانينيات بصرياً باستخدام تقنيات تصوير حديثة بروح كلاسيكية، مع اهتمام واضح بالتفاصيل مثل الأزياء والإكسسوارات ومواقع التصوير، ما منح العمل بيئة بصرية واقعية أعادت المشاهد إلى تلك الحقبة.
عمل ضخم يضم عشرات النجوم
شارك في المسلسل أكثر من 65 ممثلاً، بينهم نحو 20 دور بطولة رئيسية، في مزيج يجمع بين نجوم الدراما العراقية ووجوه شابة، ما يمنح العمل تنوعاً في الشخصيات والقصص التي تعكس صورة المجتمع العراقي في تلك الفترة.
توثيق معاناة العراقيين
أهمية المسلسل لا تتوقف عند الجانب الفني فقط، بل تمتد إلى دوره في توثيق معاناة العراقيين خلال تلك السنوات. فالتاريخ الذي مر به العراق في تلك المرحلة مليء بالأحداث القاسية التي ما زالت آثارها حاضرة في ذاكرة المجتمع، مثل مجزرة حلبجة، وحملات الأنفال، والمقابر الجماعية، وقمع الانتفاضة الشعبانية وغيرها من الأحداث المؤلمة.
الدراما كوسيلة تعليم للأجيال الجديدة
يمكن للدراما أن تلعب دوراً تعليمياً مهماً، خصوصاً في ظل إدخال مادة “جرائم البعث” ضمن المناهج الجامعية في العراق. فالمسلسل قادر على تحويل المعلومات التاريخية من نصوص نظرية جامدة إلى قصص إنسانية حية يفهمها الطالب بسهولة، مما يعمق فهم الأجيال الجديدة لتاريخ بلادهم.
مشروع درامي طويل لذاكرة لا تنتهي
لهذا يمكن القول إن مسلسل “اسمي حسن” ليس مجرد عمل درامي ناجح، بل مشروع ثقافي وتوثيقي مهم. وربما لا يكون من المبالغة القول إن حتى مئات الحلقات قد لا تكفي لسرد كل تلك الحكايات، لأن كل مدينة وقرية وبيت في العراق يحمل قصة تستحق أن تُروى.
إن استمرار هذا العمل وتحويله إلى مشروع درامي طويل يمكن أن يسهم في توثيق الذاكرة العراقية، ليبقى الماضي درساً يُفهم، لا مجرد مأساة تُنسى.
ختاماً: الحلم ليس مستحيلاً، والطموح لا يتوقف عند هذا الجزء القصير، بل بدأ يكبر وأصبح مطلباً جماهيرياً كبيراً.
أن يكون مسلسلاً ممتداً من الشمال إلى الجنوب، يحاكي البيوت العراقية التي قدمت شهداء أبرياء خلال الحقبة الدكتاتورية الماضية. ولعل هذا الموسم يكون بدايةً لسلسلة مواسم مشابهة للعمل التركي وادي الذئاب الذي استمر أكثر من ثلاثة عشر عاماً حتى أصبح أضخم عمل في الشرق الأوسط، ناقلاً صورة عميقة عما يحدث في تركيا والعراق وإيران وسوريا وفلسطين.
اسمي حسن ليس من الصعب أن يكون وادي الذئاب الجديد في المستقبل القريب.





