تقارير وتحقيقات

حين تُصبح المهنة بلا حراس

 فاطمة الجنابي 

جعفر إنسان عادي تخرج من كلية ‏التربية، ‏لم يحالفهُ الحظ بالتعيين، ولم يناسبهُ التدريس الخاص، تخرج من الكلية مثلما دخل إليها.

‏لحسن حظه، عمه كان يملك صيدلية، ووظفهُ فيها من دون شهادة  من دون خبرة، ومن دون أي مؤهلات .

“‏جعفر” حصل على امتيازات لم يحصل عليها خريجي الصيدلة أنفسهم، ومع تعليماتٍ بسيطة عن الأدوية من عمه، انطلق ” جعفر” متسللاً إلى مجال يتطلب دراسة عميقة لسنوات . 

“‏جعفر” هو واحد من آلاف الأمثلة الموجودة في المجتمع، آلاف الدخلاء على المهنة، الذين لا يملكون أي خبرات، أي مهارات، ولا حتى شهادة تثبت أنهم مؤهلين للخوض في هذا المجال.

‏المثال الذي طرحناه لا يقتصر على مجال واحد فقط؛ بـل يمكننا إسقاطه على كل المجالات!

‏فمن الأمثلة الاخرى التي نراها اليوم تنتشر بكثرة، هو الدخلاء إلى الساحات الإعلامية.

1- بدايةً دعونا نُعرف الإعلام الحقيقي ولأي سبب ظهر؟

يعرف الألماني “أوتوجروت” الإعلام بأنه : “التعبير الموضوعي عن روح الجماهير وميولها”

بينما يصف “فولتير” الإعلام بأنه : “آلة يستحيل كسرها، لهدم عالم وبناء آخر”

فإن الإعلام فنٌ مقدس، يدخل في كل مفاصل الحياة، من سياسة وادب وفلسفة ورياضة ودين، كلها بلا استثناء. 

ظهر الإعلامُ منذ الأزل في محاولاتٍ لنقل المعلوماتِ والأخبار، وتطورت أدواته ليصبحَ وسيلةً اكثر تطوراً مع الزمن ، كما حصل مع الطب ، فإن مهنة الإعلام في تطورٍ لا تجد للتوقف مجالاً .

وهو سلاح ذو حدين، يمكنه بسهولةٍ ان يبني حضارةً، وبنفس الأسلوب يقومُ بهدمها .

2- الإعلام، مهنةٌ لمن لا مهنة له . 

في موضعٍ ما، نطرحٌ سؤالاً جوهرياً : لمَ باتَ الإعلام مهنةً لِمَن لا مهنة له؟ 

أو بتعبير أصح وأكثر دقة : مهنةٌ لِمَن لا مهنة له ولمن يملك مهنة؟ 

مع التطور المستمر بوسائل الإعلام (مثل وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت ثقبًا للتسلل للساحات الإعلامية) اصبحَ مِن السهل على الكثير الظهور والتميز والتألق أمام الجماهير ، من دون هدفٍ واضح عدا الشهرة او “الشهيرة” .

يتبهرج أمام الكاميرا ليحصد المشاهدات والإعجابات ، ثم نجده فجاة في حفلات ومؤتمرات بصفته إعلامي او صحفي ، وهو في الحقيقة لا ينتمي إلى اي منهما . 

 3- تشويه صورة الإعلام في نظر المجتمع . 

نظرًا لكثرة الدخلاء إلى مهنة الإعلام ، فلابد من أن نجد ان هؤلاء الدخلاء يستثمرون افكارهم في التفاهات منسلخين عن كل معنً وقيمة .

فإن ترويجهم لأنفسهم على انهم “إعلاميون” ، “صحفيون” ، او غير هذه من التسميات الثقيلة ، تؤدي إلى تتفيه المسمى الوظيفي بين باقي الوظائف ، كما يعود بِرَد فعل قوي من الأهالي والمجتمع لأي شخص يرغب بالانغماس في هذه المهنة .

4- الجهلُ يقتل التطور . 

مِن افساد غير المختصين من المواطنين مهنة الاعلام انتقالاً إلى “بــعــض” ألاساتذة الجامعيين في كليات الاعلام .. 

بكافة اقسام كلية الإعلام من صحافة ، إذاعة وتلفزيون، اعلام رقمي، علاقات عامة، تسويق، وغيرها الكثير من التخصصات

التي باتت حبراً على ورق لـم تضيف شيئاً للطالب . 

فالإعلام اليوم، قفز قفزةً سريعة نحو تطور غير مُتوقع، وكان لابد من كل المختصين دراسة هذا التطور وتعليمه بالتقنيات والتعليمات التي يحتاجها طالب الإعلام ليخرج بها للعالم، لا أن يتفاجئ بواقع لا يشابه ما تعلمه .

5- طالب الإعلام ليس إعلامياً . 

قد ترى ذلك مُفاجئاً ، لكن في العديد من محافظات العراق ، لا يتم النظر لهذا التخصص بجدية، ويمكن ان نجد ان الكثير من طلبة الاعلام دخلوا هذا التخصص للتسلية او لأنهم لم يجدوا تخصصاً آخر، ومن هذا المنطلق يمكن الجزم بان الاعلام بات في أيدي غير مسؤولة او مهنية، ولم يعد يحمل معنً يُذكر . 

الاستنتاج: 

 أنَّ الإعلام هو مهنية قبل ان يكون مهنة، مسؤولية قبل ان يكون ناقلاً للمعلومات، مصداقية وموضوعية في الطرح، فما الهدف من كون طالب الإعلام يدرس دون تطبيق لِما يدرسه؟ 

ختاماً اقـــول :

أنَّ الإعلام كان ولا زال ذو معنى، فإنْ خلا من المعنى فـلأي غرضٍ ظهر؟ 

كل الأنبياء استعملوا الإعلام في رسائلهم مع اختلاف الوسائل، الخطابات، التوجهات، كل الأمراء والملوك والأباطرة كان الإعلام سلاحهم الاول، لم يكن الإعلام يوماً غرضاً ثانوياً، بل كان ضرورة ووسيلة في غاية الأهمية، لكن البشر اساءوا استعمال هذا السلاح .

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى