اخبار محلية

ما سرّ عشق الكربلائيين للطائرات الورقية؟

 ضياء الطريحي

ذاكرة المدينة المربوطة بخيط

تُعدّ مدينة كربلاء المقدسة واحدة من أبرز المدن التي يزدهر فيها فنّ صناعة الطائرات الورقية، ذلك الإرث العراقي العريق الذي يعكس جانباً حيّاً من ذاكرة المدينة وتراثها الشعبي. هي ليست لعبة للطفولة وحدها، بل مساحة يلتقي فيها الصغار والكبار على شغفٍ واحد، يعشقونها ويمارسونها رغم القيود أحياناً، وكأنها عادة موسمية لا يمكن التفريط بها. تنتشر الطائرات الورقية في الشوارع والأزقّة والدرّابين القديمة، لترسم لوحة نابضة بالحياة والفرح في سماء كربلاء، وتزداد حضوراً مع اقتراب شهر رمضان المبارك، كما تطغى على أجواء الأعياد، لتبقى رمزاً حيّاً لهوية المدينة الثقافية.

في كربلاء، لا تُحلّق الطائرات الورقية في السماء فقط، بل تُحلّق معها الحكايات. هي طقسٌ اجتماعيٌّ يتجدّد كل عام، وتحديداً حين يقترب رمضان، فتبدأ الأزقة القديمة بالاستعداد لموسم الفرح الملوّن.

حكايات الدَرابين.. حين يعود الكبار أطفالاً فوق السطوح

في الدَرابين الضيقة، فوق أسطح البيوت الطينية، وبين شبابيك الشناشيل، ترى الصغار يتسابقون بخيوطهم، والكبار يستعيدون طفولتهم دون تردّد. هنا، لا عيب في أن يعود الرجل طفلاً لساعة، ولا غرابة في أن تمتلئ السماء بأحلام مربوطة بخيط.

الطائرة الورقية، أو كما يسميها الكربلائيون “الطيّارة”، هي في أصلها اختراع قديم يعود إلى الحضارة الصينية قبل قرون طويلة، يوم صمّمها الفيلسوفان موزي ولوبان. لكنها في كربلاء لم تبقَ مجرد أداة فيزيائية تعتمد على قوانين الرفع والسحب وتفاعل الهواء مع أجنحتها، بل تحوّلت إلى جزء من الذاكرة الشعبية وطقوس المواسم.

جذور “الطيّارة”: من اختراع صيني إلى هوية كربلائية

يتناقل أهل المدينة روايات عن وصولها إلى العراق؛ بعضهم يقول إنها جاءت مع الجنود البريطانيين، وآخرون يربطونها بالتبادل الثقافي مع الهنود إبّان الحقبة الاستعمارية. لكن المؤكد أنها استقرّت هنا… وأصبحت كربلائية الهوى.

هوية شعبية وحكاية خلف كل تسمية

في كربلاء، لا تُعرَّف الطائرات الورقية بأشكالها فقط، بل بأسمائها أيضاً: أم الطوابيك، أم الطبرة، أم الأعلام، أم النص ونص، أم الحواض، أم صليب، أم جكري، أم حصيرة…

تختلف التسميات من حيٍّ إلى آخر، ومن محافظة إلى أخرى، لكنها جميعاً تنتمي لذاكرة واحدة.

صناعة تبدأ بورقة… وتنتهي بمنافسة

تصنيعها حكاية بحدّ ذاتها.

ورقٌ ملوّن، أعواد من جريد النخيل، وصمغ يُعرف محلياً بـ”الغِرّة”. تُشكّل غالباً على هيئة معيّن أو مربع مقلوب، بدقّة يدوية وخبرة متوارثة.

ثم يأتي الخيط… وهنا تبدأ المنافسة.

هناك خيط عادي للطيران الهادئ، وآخر يُسمّى “الشيشة”، يُحضّر بطريقة خاصة، حيث يُغلى ويُخلط بالكزاز (الزجاج المطحون) مع الغِرّة ليصبح قادراً على قطع خيوط الطائرات الأخرى في معارك جوّية صغيرة تملأ السطوح بالحماس والصيحات.

رمضان… موسم التحليق

تبلغ الطائرات ذروتها مع أول أيام رمضان.

قبل الإفطار بقليل، حين يترقّب الصائمون الأذان، تمتدّ الخيوط في السماء كأنها ساعات زمنية معلّقة. وبعد السحور، ومع خيوط الفجر الأولى، تعود السماء لتزدحم بالألوان.

الحرفيون يعرضونها في الدكاكين القديمة بأسعار بسيطة، وكأنهم لا يبيعون سلعة بقدر ما يبيعون ذكرى.

حلمٌ جديد يتّسع له الفضاء

الطائرات الورقية في كربلاء ليست مجرد هواية، بل هي مساحة تنفّس، رياضة ذهنية وجسدية، وسيلة تنافس بريء، وجسرٌ بين جيلٍ تربّى على الأسطح وجيلٍ يعيش اليوم بين الشاشات.

وفي نهاية المطاف، ومن ذاكرة الطفولة وملامح الفرح البسيطة، تطلّ هذه اللعبة التراثية حاضرةً في محافظتنا وفي سائر المحافظات، حاملةً معها نكهة رمضان وروحه. لها مواعيدها الخاصة؛ قبل الإفطار حين يترقّب الصائمون الغروب، وبعد السحور مع أول خيوط الفجر، حيث تمتلئ السماء بالطائرات الملوّنة، الزاهية والبراقة، بأشكالها المختلفة، تحلّق بهدوء فوق سماء كربلاء المقدسة، كأنها رسائل فرحٍ معلّقة في فضاء الذكريات.

وتبقى الطائرات الورقية شاهداً على أن البساطة قادرة على صنع موسمٍ كامل من السعادة، وأن السماء مهما ازدحمت تتّسع دائماً لحلمٍ جديد مربوطٍ بخيط.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى