د. محمد عصمت البياتي
في زحمة الأيام، حين تتشابك الخيوط وتضيق بنا المسارات، نظنّ أن الأمور أفلتت من أيدينا، وأن الريح تجري بما لا نشتهي. غير أنّ القلب إذا أرهف السمع لنداء السماء، سمع الوعد العميق:
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
— سورة هود، الآية 123.
ليست الآية خطابًا للطمأنة العابرة فحسب، بل منهاج حياة. إنّها تعيد ترتيب الداخل قبل الخارج؛ فالغيب الذي يحيرنا، ويقلقنا، ويستنزف أعصابنا، هو في قبضة العليم الحكيم. نحن نرى شطر الصورة، أما تمامها ففي خزائن الغيب. نحن نحسب اللحظة، وهو يقدّر المآل. نحن ننشغل بالنتيجة، وهو يربّي فينا النية.
“ولله غيب السماوات والأرض”… عبارة تهزّ غرور التنبؤ، وتكسّر وهم السيطرة. كم من إنسان أرهق نفسه بملاحقة مستقبلٍ لم يُكتب بعد! وكم من قلبٍ تآكله القلق على رزقٍ أو منصبٍ أو علاقة! لكنّ الغيب ليس ملعبًا لأوهامنا، بل سرٌّ محفوظ عند من لا تخفى عليه خافية. حين نوقن بذلك، يتحول القلق إلى دعاء، والخوف إلى سكينة، والتشتت إلى يقين.
“وإليه يُرجع الأمر كله”… كلّه بلا استثناء. قضايا الأمة، هموم الفرد، دمعة المظلوم، وسرّ الظالم، حركة السوق، وصمت الليل. ليست هناك منطقة معزولة عن تدبيره، ولا ملفّ مغلق على عدله. هذا اليقين يحررنا من عبودية الأشخاص، ومن فزع الأحداث؛ فلا نبالغ في تعظيم بشر، ولا نيأس من عدل القدَر. فالأمر راجع إليه، والحساب عنده، والختام بيده.
ثم تأتي الوصية العملية: “فاعبده وتوكّل عليه”. كأنّ السماء تقول لنا: إذا أردتَ الثبات وسط العواصف، فشدّ حبالك بالعبادة، وأرسِ سفينتك بالتوكّل. العبادة ليست طقوسًا تؤدّى بذاكرةٍ عضلية، بل حضور قلبٍ يسلّم قياده لمن خلقه. والتوكّل ليس تواكلاً ولا هروبًا من المسؤولية، بل هو أن تبذل وسعك كاملًا، ثم تضع النتيجة في يد من لا يضيّع الودائع.
إنّ المجتمع الذي يتشرّب هذا المعنى لا يستسلم للفوضى، ولا ينهار أمام الأزمات. يعمل بإتقان لأنّ الله لا يغفل، ويجتنب الظلم لأنّ الحساب آتٍ، ويصبر لأنّ الغيب عند الله خيرٌ مما نرى. التوكّل يربّي فينا النزاهة؛ لأننا نعلم أن كل خفايا الأعمال مكشوفة عند من لا تخفى عليه السرائر. ويزرع فينا الأمل؛ لأن الذي يدبّر الغيب أرحم بنا من أنفسنا.
“وما ربك بغافل عما تعملون”… خاتمة توقظ الضمير. لا يغفل عن دمعةٍ في جوف الليل، ولا عن كلمةٍ تُقال في الخفاء، ولا عن قرارٍ يُتخذ في غرفةٍ مغلقة. هي رسالة للمحسن أن يثبت، وللمسيء أن يتوب، وللمتردّد أن يستقيم. فالمراقبة الإلهية ليست تهديدًا بقدر ما هي ضمانة عدل، وبوصلة هداية.
فلنُعد ترتيب قلوبنا على ضوء هذه الآية:
إذا ضاق بك المستقبل، فتذكّر أن الغيب عند الله.
إذا التبس عليك الطريق، فاعلم أن الأمر إليه.
إذا أرهقك السعي، فاعبده وتوكّل عليه.
وإذا همست لك النفس أن لا أحد يرى، فاعلم أن ربك لا يغفل.
هكذا يتحول الإيمان من كلماتٍ تُتلى إلى حياةٍ تُعاش، ومن آيةٍ تُقرأ إلى منهجٍ يُصاغ به الضمير والسلوك. ومن عرف أن الغيب لله، سلّم قلبه لله، ومضى في دربه مطمئنًا… لأن الذي بيده الغيب، بيده الفرج، وبيده الخاتمة الحسنة.





