د. صلاح الدليمي
في ليلةٍ باردة من ليالي غزوة تبوك، وبينما كان جيش المسلمين يغط في صمت السكون، قطع سكون الليل نور سراجٍ يتحرك في طرف المعسكر. لم يكن ذلك السراج إلا مشهداً من أندى مشاهد الوفاء في تاريخ النبوة.
مأتمٌ تحت ضوء النجوم
كان النبي ﷺ يمسك بالسراج، بينما كان الصديق وعمر -رضي الله عنهما- يحفران قبراً.
لم يكن الميت ملكاً ولا قائداً عسكرياً بمرتبة رفيعة، بل كان شاباً عُرف في السماء بصدقه، وفي الأرض بـ “ذو البجادين”.
ذلك الشاب الذي هجر ترف العيش في سبيل الله، حتى لم يجد عند هجرته ما يستر جسده، فشق كساءه (بِجاده) نصفين، فصار لقبه “ذو البجادين” شعاراً للزهد الذي لا يلين.
حين نزل الجسد الطاهر إلى اللحد
المشهد الذي أبكى العيون هو حين نزل النبي ﷺ بنفسه إلى حفرة القبر، وبسط يده الشريفة، وقال لصاحبيه بلهفة المحب: “أدنيا إليّ أخاكما”.
حملهما الجسد، وتلقاه النبي ﷺ بساعديه، ووضعه في لحده برفقٍ يفيض حناناً، ثم نفض التراب عن يديه، ورفع بصره إلى السماء في لحظة تجلٍّ مهيبة، ودعا بدعائه الخالد:
اللهم إني أمسيتُ راضياً عنه فارضَ عنه
أمنية ابن مسعود
في تلك اللحظة، وقف عبد الله بن مسعود -وهو من هو في علمه وقدره- يراقب المشهد بذهول وغبطة، والدموع تفر من عينيه، وهو يهمس في نفسه:
يا ليتني كنت صاحب هذا اللحد!
لقد أدرك ابن مسعود في تلك اللحظة أن كل أمجاد الدنيا، وكل الرايات التي رفعت، وكل المناصب التي شُغلت، لا تساوي شيئاً أمام “شهادة رضا” يوقعها سيد الخلق في جوف الليل على حافة قبر.
رسالة المشهد:
إنها الصفعة القوية لكل من جعل الدنيا أكبر همه؛ فالتنافس ليس على حطامٍ زائل، ولا على منصبٍ يُنال بالخداع أو الغش.
التنافس الحقيقي هو أن ترحل من هذه الدنيا، وقد تركتَ خلفك أثراً يجعل الله ورسوله يرضيان عنك.
هذه هي “الرتبة” التي لا تُسحب، و”المنصب” الذي لا يزول، و”النسب” الذي ينفع حين تنقطع الأنساب.




