تقارير وتحقيقات

محاولة جنوبية للحد من التغيرات المناخية واثرها على الصحة الانجابية للنساء في الريف

 السماوة / مريم الفرطوسي

وسط جفاف النهر الوحيد في قرية أبو گنبارة أطراف ناحية الوركاء بمحافظة المثنى جنوب العراق، قامت لمى قاسم بتأسيس فريق تطوعي لمواجهة التغيرات المناخية، وخاصة تأثير درجات الحرارة المرتفعة على الصحة الانجابية للنساء والفتيات. 

صنفت القرية من قبل دائرة التخطيط التابعة لوزارة التخيط ضمن القرى العشر التي تقبع تحت خط الفقر حيث وصلت نسبة الفقر في المحافظة الى ٥٢٪ وهي المحافظة الاكثر فقرا في العراق. يبلغ عدد سكان محافظة المثنى 650.000 نسمة , كما يبلغ عدد نساء وفتيات قرية ابو كنبارة 50 امرأة و 75 فتاة قاصر. 

يعتمد اهالي القرية على النهر في سقي مزروعاتهم وشرب الاغنام والمواشي والاستهلاك اليومي للأعمال المنزلية التي تؤديها النساء واصبح اغلب اهالي القرية يفكرون في النزوح الى المدينة. 

تقول لمى(38 عام)، “تعاني المرأة في القرية من قيود اجتماعية و تقييد في العمل ,و طبيعة المبادرة التي اطلقتها تتطلب المزيد من الشجاعة لمواجهة كل العقبات.” 

لمى باحثة أجتماعية في مؤسسة اليس لحقوق المرأة والطفل، بدأت مبادرتها منذ عام 2018, كانت تزور القرى لنشر التوعية حيث زارت قرية أبو گنبارة والتقت بالنساء والفتيات واستمعت الى معاناتهن بعد جفاف النهر وعدم توفر المياه الكافية لنظافتهن الشخصية كذلك سوء التغذية بسبب موت المزروعات وتردي الحالة المعيشية لهن و عدم وجود موارد اقتصادية اخرى غير الرعي والزراعة.

مؤسسة اليس لحقوق المرأة و الطفل هي منظمة غير حكومية تم تسجيلها من قبل وزارة البيئة كفريق للمبادرة الوطنية لمواجهة التغيرات المناخية و تعمل على نشر الثقافة البيئية و المناخية في قرى السماوة و العشوائيات و البادية .

 يسبب ارتفاع درجات الحرارة اضطرابات الحيض لدى النساء كما انه يثبط الرغبة الجنسية لدى الشريكين وكلما زادت درجات الحرارة زادت نسبة الاجهاض والولادة المبكرة فكل درجة مئوية واحدة تزيد من نسبة الاجهاض بمعدل ٦٪ كذلك زيادة نسبة الاملاح في المياه التي تحصلن عليها النساء في القرى يعرضهن لارتفاع ضغط الدم وتسمم الحمل، حسب احصائية رئاسة صحة المثنى. 

كما ان تغير المناخ يعجل من تصحر الارض وجفافها وبالتالي ندرة المحاصيل الزراعية والموارد الغذائية مما يساهم في وهن النساء ومرضهن كما ان ضعف الامكانيات الصحية في القرى يؤدي الى صعوبة الحصول على موانع الحمل مما قد يزيد من فرص الحمل غير المرغوب فيه واللجوء الى عمليات الاجهاض غير الامنة.

تحدثت الدكتورة هيفاء ناجي الاستاذة في كلية الطب بجامعة المثنى والحاصلة على دكتوراه بايولوجي من جامعة بوخارست في رومانيا عن تأثير المناخ على الصحة الانجابية للنساء، “ذاكرة اسباب زيادة عدد الوفيات وقلة عدد المواليد الاصحاء بسبب تلوث الهواء اذ ان زيادة نسبة التلوث في الهواء يتبعه نقص في انتاج البويضات عن النساء ونقص في انتاج الحيوانات المنوية لدى الرجال وربما تتسبب بتشوهات خلقية للأجنة.”

اجبرت الشابة دلال ذات ال 14 عاما من قرية أبو گنبارة على ترك الدراسة نتيجة الجفاف وتلف المزروعات ونفوق المواشي والاغنام لذا زوجت من ابن عمها بالاجبار. 

تستيقظ دلال يوميا لجلب الماء من بئر بعيدة حفرها اهل القرية بعد جفاف النهر, وبعد ان ظهرت عليها اعراض الحمل تفاجأت بزيادة مهامها و اعمالها المنزلية المرهقة، تؤكد دلال قائلة، “بسبب الفقر و سوء التغذية و الاوزان الثقيلة التي احملها على راسي يوميا تعرضت للاجهاض.”

 

 

 

 

 

مبادرات لتخطي الازمة

بادرت لمى الى تدوين هذه التحديات والمشاكل ودراسة مايمكن تقديمه للنساء لمساعدتهن على تخطي ازمة التغيرات المناخية في القرية وحددت يومين من كل اسبوع لزيارة القرية لرصد مشاكل الصحة الانجابية للنساء والفتيات.

اخذت لمى بعقد جلسات توعوية لهن في القرية عن التغذية الصحية والعناية بالام الحامل والمرضع واهمية الرضاعة والنظافة الشخصية والتكيف مع التغيرات المناخية وتزويدهن ببروشورات توعوية، احتوت على صور و شروحات حول الصحة الانجابية.

كما استعانت بمدربة حياكة فلكلورية من نساء القرية لتدريبهن على حرفة بديلة عن الرعي والزراعة مقابل اجور تكفلتها مؤسسة أليس لضمان العيش الكريم لهن مع توفير الخيوط والاصباغ اللازمة لحياكة السجاد والايزارات التي تعتبر من تراث وفلكلور المحافظة.

“كان لا بد من ايجاد حلول بديلة تقي النساء الفقر بعد الجفاف و نقص الموارد المائية،” هذا ما اكدته المدربة نهى علي.

كذلك طلبت لمى من زينب المهندسة الزراعية في الهيئة العامة لمؤسسة أليس تدريب نساء اخريات على الصناعة الزراعية مثل صناعة المخللات والتمر باشكال مختلفة وفكرت لمى في طريقة لتسويق المنتوجات خاصة ان نساء القرية يجهلن التسويق الالكتروني و بالتعاون مع ادارة مؤسسة أليس تم اقامة المعارض في الجامعات والمتنزهات لعرض وتسويق المنتوجات.

تقول زينب، “كان هناك اقبال كبير من نساء القرية على التعلم خاصة بعد توفير كافة المستلزمات المجانية و تسويقها على الانترنت.”

اوضحت الدكتورة هيفاء ناجي ان حصول نساء القرية على مورد رزق سيكفل لهن توفير اللوازم الشهرية من فوط ومساحيق التنظيف واجور النقل لمراجعة المستشفى عند الحاجة كما اقترحت عليهن لمى جمع مبلغ من النساء العاملات لشراء ماطور لسحب الماء من البئر لمعالجة شحة المياه.  

اضافت الدكتورة هيفاء، “كذلك تتعرض النساء للعديد من المواد الكيمياوية التي تعد عاملا مهما في تراجع خصوبة النساء خاصة الموجودة في المبيدات الحشرية و التي تثبط الغدد الصماء ويمكن ان تنتقل للجنين عبر المشيمة بالاضافة الى المواد التي تسبب سرطان الثدي وامراض المبيض والكبد.”

بسبب تداعيات التغيرات المناخية, يتحملن الفتيات اعباء اضافية مما يقلل من فرصهن في الدراسة ويزيد من خطر تسربهن من المدرسة ممايضاعف الفجوة بين الجنسين في المساواة وفي التعليم و يعرضهن للتهميش والفقر.

الدكتورة نور ساجد رئيس مؤسسة أليس لحقوق المرأة والطفل والناشطة البيئية قالت، “تؤدي الظواهر المناخية الى تفاقم الفقر والذي يدفع العائلات الى تزويج بناتهن القاصرات مقابل مهور يعتقدون انها تحسن فرص الفتاة في المستقبل وكذلك لتعويض الخسائر التي تكبدتها الاسر المهمشة.”

توسع نطاق المبادرة

تعلمت نساء القرية ان عليهن مواجهة التحديات والتكيف مع التغير المناخي وان يبحثن عن حلول لتوطينهن في القرية بدلا من النزوح الى المدينة كذلك التعليم المستمر عن كل مايحيط بهن من متغيرات سواء صحية او بيئية او اقتصادية او اجتماعية 

تقول فاطمة محمد “ان التوعية التي بادرت بها الباحثة لمى افادتها كثيرا بمعلومات كانت غائبة عنها خاصة انها كانت تلجأ الى العرافة في علاج ابناءها التي تستعمل الكي والى القابلة غير المأذونة في ظل الظروف المناخية وعدم توفر المياه وارتفاع درجات الحرارة.”

تؤكد زهراء من قرية ال سميح قائلة: “كنت من احد المستفيدات من مبادرة منى سواء من الناحية الصحية ام التعليمية وتغيرت لدينا مفاهيم كثيرة حول الصحة الانجابية.”

نقلت منى مبادرتها الى قرية بو خضير و قرية آل سميح بتزويدها بغرفة صحية داخل القرية مع كادر متخصص ولوازم وعلاجات وسيارة اسعاف فوري مع التوعية بترشيد استهلاك المياه بطرق الري الحديثة من خلال اقامة الورش و الاجتماعات المستمرة مع نساء القريتين.

فاطمة حسين من قرية ال سميح توضح قائلة :”تعلمنا الكثير من مبادرات الباحثة منى سواء من الناحية الصحية ام البيئية و اتجهنا الى العلاج الصحيح بدلا من الطرق التقليدية التي كانت تتسبب احيانا في وفاة الحوامل ” مضيفة : رحبت القرية بلمى و قدمنا لها الدعم و التسهيلات باقامة غرف طبية خدمة لابناء و بنات القرية.

كما بادرت جمعية الهلال الاحمر الى ارسال عيادة طبية متنقلة وبصورة دورية مرة بالاسبوع لفحص ومعالجة النساء وتزويدهن بالعلاج اللازم.

قدمت نور احمد من جمعية الهلال الاحمر يد العون للنساء من خلال اجراء الفحوصات الدورية لهن و اضافت. قائلة: “زودنا نساء القرية باللقاحات اثناء فترة الحمل و تواصلنا معهن بعد الولادة و قدمنا الكثير من النصائح التي يجب اتباعها بعد الولادة لتلافي خطر الاصابة بالامراض التي تتطلب علاج طويل الامد.”

تقول والدة دلال، لجأنا لتزويج دلال في عمر مبكر لاننا عائلة فقيرة عانينا كثيرا بعد ان ضرب الجفاف مزروعاتنا و مواشينا و اضافت، “ان التوعية التي بادرت بها الباحثة لمى زودتنا بمعلومات كثيرة كانت غائبة عن مجتمعنا لاننا نلجأ دائما للعرافة في علاج ابناءنا التي تستخدم الكي و نلجأ ايضا الى القابلة غير المأذونة.”

العقبات على الطريق

هناك صعوبات واجهت مبادرة لمى منها الاعراف والتقاليد في جنوب العراق وخاصة محافظة المثنى حيث واجهت لمى عقبات كبيرة في مقابلة النساء فرضها عليها رجال القرى خوفا من تحريضها لنساءهم.

تؤكد لمى تعرضها لصعوبات في مقابلة نساء القرية قائلة :”يخشى رجال القرية دائما من وسائل الاعلام لذا لم يمنحوني التسهيلات الكافية لمقابلة النساء”

من الصعوبات الاخرى عدم توفر الموارد اللازمة في باديء الامر و التي حالت دون تعميم الفكرة في قرى اخرى.

وتضيف لمى ان كل ماقدمناه هو حلول وقتية وليست مستدامة فماذا لو انتهت المياه الجوفية التي تعتاش عليها نساء القرية؟ وماذا لو ساءت الظروف المناخية كالعواصف مثلا؟ و تعذر على العيادة الطبية المتنقلة الوصول الى القرية مع وجود حالات عاجلة وخطيرة.

يقول ابو دلال:”لم نحصل من الدولة الى الان على حلول دائمية و اذا ما استمر الجفاف في القرية سنغادرها باحثين عن مأوى جديد”

 تأمل لمى ان تستمر في توعية النساء بالمخاطر الصحية التي يفرضها تغير المناخ خاصة الحوامل والمرضعات و ان تقوم بتطوير برامج دعم الفئات المتأثرة والتأكيد على ايجاد مصادر رزق بديلة خاصة للفئات الاكثر ضعفا وفقرا.

تم أنتاج هذا التقرير ضمن أطار مشروع أصواتنا المنفذ من قبل منظمة أنترنيوز

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى