مقالات

السيادة الرقمية في العراق: من الاعتماد الهش إلى الاستقلال السيبراني

 

د.محمد عصمت البياتي

في زمنٍ أصبحت فيه البيانات هي النفط الجديد، لم تعد السيادة تُقاس فقط بحدود الجغرافيا، بل بقدرة الدولة على التحكم في فضائها الرقمي وإدارة بنيتها التحتية التكنولوجية باستقلالية تامة.

وفي العراق، حيث تتسارع وتيرة التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية والخدمية، تبرز قضية “السيادة الرقمية” كأحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تستوجب معالجة جذرية وشاملة.

تتمثل السيادة الرقمية في قدرة الدولة على امتلاك وإدارة بياناتها، وتشغيل أنظمتها الحيوية عبر بنى تحتية خاضعة لسيادتها، بعيداً عن الاعتماد المفرط على منصات خارجية لا تخضع لرقابتها أو قوانينها. إلا أن الواقع الحالي في العراق يكشف عن فجوة واضحة بين هذا المفهوم والتطبيق الفعلي؛ إذ تعتمد العديد من الوزارات والمؤسسات، بما فيها التعليمية والخدمية، على تطبيقات مثل واتساب وتيليغرام في إدارة التواصل وتقديم الخدمات، دون امتلاك أي سيطرة حقيقية على البنية التحتية أو البيانات المتداولة عبر هذه المنصات.

هذا الاعتماد يخلق حالة من “الهشاشة الرقمية”، حيث تصبح استمرارية الخدمات الحكومية مرهونة بسلامة واستقرار تطبيقات أجنبية، قد تتعرض للتعطل، الحجب، أو حتى التقييد السياسي في أي لحظة. وفي حال حدوث خلل تقني أو قرار دولي يؤثر على هذه المنصات، فإن الدولة ستجد نفسها عاجزة عن التواصل مع مواطنيها أو تقديم خدمات أساسية، مما يهدد الاستقرار الإداري والخدمي.

إن المخاطر لا تقتصر على انقطاع الخدمة، بل تمتد إلى قضايا أكثر حساسية تتعلق بأمن البيانات وخصوصية المواطنين. فغياب السيطرة على الخوادم يعني أن البيانات قد تُخزن أو تُعالج خارج الحدود الوطنية، ما يفتح الباب أمام احتمالات الاختراق أو الاستخدام غير المشروع، في ظل عدم خضوع هذه المنصات للتشريعات العراقية.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة لوضع استراتيجية وطنية للسيادة الرقمية، ترتكز على عدة محاور أساسية. أولها، إنشاء مراكز بيانات وطنية (National Data Centers) قادرة على استضافة الأنظمة الحكومية والتطبيقات الخدمية، بما يضمن بقاء البيانات داخل الحدود العراقية وتحت إشراف مباشر من الجهات المختصة. وثانيها، تطوير تطبيقات محلية بديلة أو منصات حكومية موحدة للتواصل وتقديم الخدمات، بحيث تكون مصممة وفق معايير الأمان السيبراني وتخضع للرقابة الوطنية.

كما ينبغي العمل على تشريع قوانين واضحة لحوكمة البيانات (Data Governance) وتنظيم استخدامها، مع فرض ضوابط على المؤسسات الحكومية تمنع استخدام التطبيقات غير الرسمية في إدارة الأعمال الحساسة. ويتطلب ذلك أيضاً بناء قدرات بشرية متخصصة في مجالات الأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة، وتطوير البرمجيات، لضمان استدامة هذه المنظومة.

ولا يمكن إغفال أهمية الشراكة مع القطاع الخاص المحلي والدولي، لنقل المعرفة وبناء بنى تحتية متقدمة، مع الحفاظ على مبدأ السيادة والتحكم الوطني. فالتكامل بين الخبرات العالمية والاحتياجات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء نظام رقمي متوازن وفعال.

إن تحقيق السيادة الرقمية في العراق ليس ترفاً تقنياً، بل ضرورة وطنية تمس الأمن القومي والاستقرار المؤسسي. فالدولة التي لا تملك مفاتيح أنظمتها الرقمية، تبقى عرضة للانكشاف في أي لحظة. ومن هنا، فإن الانتقال من الاعتماد على حلول مؤقتة مثل واتساب وتيليغرام إلى بناء منظومة رقمية وطنية متكاملة، هو الخطوة الأولى نحو عراق رقمي مستقل، قادر على إدارة أزماته بثقة، وتقديم خدماته بكفاءة، دون أن يكون رهينة لتقنيات لا يملكها.

وفي الختام، فإن السيادة الرقمية ليست مجرد مشروع تقني، بل هي مشروع دولة، يتطلب إرادة سياسية، واستثماراً استراتيجياً، ورؤية بعيدة المدى، تضع العراق في موقع الفاعل لا المتلقي، في عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية بشكل غير مسبوق.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى