تقارير وتحقيقات

تدهور التعليم في العراق .. إهمال إداري أم فشل حكومي وتربوي متراكم؟

فاطمة الجنابي

الفجوة التي تتوسط منظومة التعليم في العراق تكبر يومًا بعد يوم، وكلما كبرت أكثر كلما تبينت معالم الفساد الذي ينهش منظومة تبني الأفراد منذ الصغر على المبادئ والقيم السليمة والعادات الصالحة وتصقلهم ليخرجوا إلى المجتمع قادةً لا مُقادين.

 

ومع تزايد مساحة الفجوة في هذه المنظومة تحديدًا، يبدأ الجيل الجديد بالنفور من أطر المنظومة والتهرب من أي التزام فعلي داخلها، لكن ما الذي يحدث داخل الهيكل التعليمي التربوي؟ أو الهيكل التدريسي على وجه العموم؟

كيف تحولت عملية التعلم إلى حلقة جحيمية للطالب؟

سمِّها ما شئت، لأن الكثير من الطلبة يتفقون على وصف رحلة الدراسة كأنها حلقة جحيمية تنتهي برمي قبعة التخرج والاحتفال بلا رؤية مستقبلية.

لعل أبرز الأسباب التي تجعل الطالب العراقي ينفر ويتهرب من الأجواء التعليمية تكمن في الآتي:

عدم توفر أساليب دراسية تخدم عقلية الجيل الجديد من قِبل التدريسيين.

ندرة توفر جانب عملي (وهو مهم جدًا في الدراسة الأكاديمية) ينمي الطالب من خلاله ذاكرته الصورية عن طريق التجربة.

إسقاط القدوة: يسهم بعض الأهالي في تسقيط مكانة المعلم في نظر أبنائهم، ما يؤدي إلى استصغار الأستاذ وعدم احترامه وتثمين كلامه والأخذ به.

المناهج التعجيزية والمتغيرة (بالنسبة للمدارس): تربك الطالب، بالأخص في المراحل المنتهية.

كثرة المشتتات: في الماضي، لم يكن للفرد ما يشغل نفسه فيه، أما اليوم فهناك آلاف الوسائل والطرق التي تشد الفرد لتضييع وقته وإهداره، فالعقل يعتبر التعلم رحلة شاقة خطِرة ويفضل البقاء في منطقة الراحة.

عدم احترام الفروق الفردية: بعض المدرسين لا يفهمون أن لكل إنسان ميزة خاصة وموهبة فطرية لا توجد عند أقرانه، ومع ذلك فإننا لا نجد مراعاة خاصة، مع المناهج التي تضغط الطالب والأستاذ الذي يطالبه بالحفظ كالآلة بدل الفهم كالبشر.

بعد أن أعربنا عن جانب الطالب، لا بد من الإشارة إلى أن التدريسي أيضًا يعاني من العديد من المشاكل، لعل أغلبها يتمثل في:

1-  التعامل مع جيل مشتت وصعب التركيز.

2- عليه إيجاد أبسط الطرق وأسرعها لإيصال الفكرة، لأن الجيل الحالي يبحث عن السرعة والاختصار حتى في الشرح العلمي (غير صبور).

3- عدم توفير المستلزمات التي يحتاجها للعملية التدريسية، وتحمله في بعض الأحيان التكلفة كاملة.

4- يعاني من جيل شديد التعرض للإنترنت بجانبيه الإيجابي والسلبي، بالأخص السلبي.

ما الذي يجب غرسه في الجيل الحالي في المدارس؟

الجيل الحالي يبحث عن السرعة والاختصار، التكنولوجيا وأحدث التطورات التقنية والرقمية، الفن الرقمي، الذكاء الاصطناعي؛ توجه حديث نتيجة للانفتاح المفاجئ على العالم عبر منصات التواصل الاجتماعي ونشأة هذا الجيل مع تطورات العصر.

لذلك لم تعد الأساليب القديمة والكلاسيكية تفي بالغرض، لأن الأفراد من الجيل الجديد قد عاصروا العديد من البرامج التلفزيونية والرسوم المتحركة سريعة الحركة وعالية السطوع، مما جعل عقولهم تعتاد كل ما هو متفجر وسريع، كما عاصر بعضهم أفكارًا وسلوكيات عشوائية عبر مواقع التواصل في عمر صغير، وهذا ما أدى إلى نضج مبكر وتشتت سريع.

لذلك يجب التأكيد على أن “التجربة الحقيقية” هي الأمثل لتثبيت المعلومات التي يجب حفظها، إضافة إلى ضرورة توعية الجيل ببديهيات، سواء أخلاقية أو بيئية أو حتى فنية.

فإن الجيل بلا شك بحاجة إلى إرشاد واسع النطاق.

هل المناهج العراقية الحالية تُناسب الجيل الحالي؟

عند إلقاء نظرة سريعة على المناهج العراقية، نُبهر بالمعلومات الثمينة التي تحتويها، ثم نُفاجأ بواقع لا يُشابه واقع المنهاج، فإن من المفترض أن يتوفر إلى جانب هذا المنهاج الضخم، خاصة بالنسبة للجيل الحالي، تطبيق عملي وتجارب مستمرة للتركيز على جودة التعليم لا كمية المعلومات التي يجب على الطالب حفظها، فما فائدة كثرة المعلومات إن لم يستفد منها الطالب؟

 

هل تتوافق المناهج الجامعية مع سوق العمل؟

من المفترض أن تكون المرحلة الجامعية هي مرحلة تهيئة للطالب للولوج إلى سوق العمل، ومع بعض التدريب يصبح جاهزًا للإبداع فيه، لكن الغريب في الأمر أن ذلك في الكثير من الأحيان هو مجرد كلام دون أن نرى تطبيقًا فعليًا، والسؤال الأهم هو: لماذا يتم التركيز على جوانب قد تكون غير مفيدة لسوق العمل وجعل الجانب الأهم مهمشاً؟

وختاما اقول:

المنظومة التعليمية الجيدة تقوم على ثلاث أسس مهمة: مسؤولية الحكومة، مهنية الأستاذ، احترام الطالب. فإن فقدت المنظومة إحدى هذه الأسس؛ اختلّ التوازن وفشل التعليم.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى